عن البرد و الحجر

شارا رشید

“البرد و الحجر” مشروع ادبي فريد جمع بين طياته ثلاثة اجناس ادبية، شعر وترجمة وقراءة نقدية عميقة، علاوة على مجموعة فريدة من تخطيطات رسمها القدير المرحوم قرني جميل، وبهذا يكون الكتاب اكتسب قيمة جمالية تشكيلية مضافة الى قيمته الادبية التي تبناها دلاور قرداغي شاعراً وآزاد برزنجي مترجماً وبختيار حمه سور ناقداً نافذ البصيرة.
بعد قراءتي للديوان باللغة الكردية وهي اللغة التي كتب بها الشاعر دلاور قرداغي ديوانه وجدت طغياناً ناعماً للأحاسيس، الافكار، ومفردات تمشي نابضة على الورق بلا تسرع، وجدت تواضعاً يشبه تواضع النساك متجلياً في عدم نكران الشاعر انتمائه لنهر الثقافة الكردي بكامل اصالته وبلا ترفع عن غيره من خلال اظهار تأثره بمنهج كبار الشعراء دون هيمنتهم على تفاصيل قصيدته، وهذا يدل على تقاسم دلاور مع اقرانه الشعراء الرؤية للحياة والأحداث والمآسي والخيبات الجمعية التي شهدتها مدينته في فترة زمنية معينة، لكن الشاعر وبخلاف الاخرين يعيد علينا ما قاله غاليلو قبل قرون من الزمان: ( انني انظر ابعد من الآخرين لأنني اقف على اكتاف عمالقة)، وهكذا فهو يعلن صراحة بأن ابواب الشعر بلا رتاج ولا اقفال، مفتوحة على مصراعيها لمن يريد ان ينهل عذب الشعر.

اما عن الترجمة، فلا اخفيكم سراً بأنني ما زلت احمل في نفسي شكاً ازاء هذا الجنس الادبي، ويقلقني دائماً قول فولتير بأنه من المستحيل ترجمة الشعر. هل يمكنك ترجمة الموسيقى؟ لكنني هذه المرة ادهش بلغة البرزنجي الرفيعة وامكانيته في الموازنة بين الامانة والجمال وقدرته على تحقيق الصدمة المطلوبة اثناء القراءة ونقل المعنى وحفظه من كل ما يمكن ان يضعف النص الاصلي او يفقده جودته.

ان مثل هذه المنجزات الانسانية والجمالية هي التي تحرر القارئ وتنقذه من واقع الشعر المزري وفوضى الكتابة لتؤثث في ذاكرته وجوداً وطغياناً يرفضان المغادرة. فشكراً لهذا النعيم الذي تتوق اليه نفوسنا في زمن اصبحت فيه الكتب ركام من الورق والموسيقى مجرد ضجيج