حول البرد و الحجر

یحیی الشیخ*

                       

صديقي الشاعر الكردي دلاور قرداغي…

لم اكن اعرف الشاعر الكردي دلاور قرداغي حتى فاجأني بترجمة لقصيدة لي إلى اللغة الكردية، قال لي أصدقائي الشعراء الاكراد بانها ترجمة نادرة.

تبادلنا ما عندنا من كلام، تبادلنا الشعر الذي ليس لدينا غيره، الشعر الذي يكشف وجه الانسان لأخيه الانسان، الذي يشهد على حياتنا بشرف وامانة.

بعد قراءتي لشعره اختفت الرغبة في البحث عن جدوى الشعر في الحياة، وعن أهدافه، واكتشفت ان ليس للشعر هدف غير ان يكون شعرا كما لدى دلاور قرداغي… ليس هناك اية معضلة في الشعر، بل بمن لا يكتبه، فالذي يقرأ ديوانه (البرد والحجر) يعتقد بأنه هو من كتب هذا، أو انه سيكتب مثله، وتكتنفه رعشة الحقيقة تسري في شرايينه.

ثمة شاعر يطارد القصيدة ويصطادها، وثمة شاعر مثل دلاور قرداغي تطارده القصيدة وتصطاده متلبسًا بالشعر.

مستهل من ديوان “البرد والحجر”

ترجمة: آزاد البرزنجي

لما نزَل المقاتلون من الجبال

وانتهت الثورة،

في ليلة ما

ارتديتُ ملابس الپيشمرگه

وتوجّهتُ نحو الجبال

في الأيام تلك

كانت السماء تُسقط ثلجاً أكثَر بياضاً

ومطراً أكثرَ نعومة

على القرى،

رياحُ ذهبية كانت تهبّ عبر الحقول

في الأيام تلك

كانت الأشياءُ كلُّها في الجبال

ساكنةً وهادئةً

كأنّ الدنيا

وبعد ليال طوال من الاضطراب والسهاد

تغرق في نوم عميق، عميق

وكأن الصخر

بودّه أن يجلس على نفسه

بعد قرن من الحيرة

وأن يضع رأسه على مرفقه

ويغمُضُ عينيه

وكأنّ الماء

بعد سنين من لا جدوى الصُراخ

يسير داخل نفسه

ويبكي داخل نفسه

ويغمض جَفنيه في أحضانه الزرقاء

ويستكين.

حينما عاد المقاتلون،

امتلأت المدينة بالصخب والزِّحام

وهيمن صمتٌ كصمت ما بعد الزلزال

على القرى والجبال،

حينما نَزَل المقاتلون من أعالي الجبال

امتلأت المدينة بالرقص

امتلأت المدينة بالغُربة،

امتلأت بشباب يشعرون بالوحدة والبرد والحيرة

امتلأت بسيارات ومركبات وبلدوزرات

غارقة في الطين والوحل حتى الرُّكبة.

ذات مساء، همستُ في أذن صديق لي

صادفتهُ بعد سنين طوال في إحدى مقاهي

مدينة نائية من مدن القطب الشمالي؛

حيث كنّا نتمشى في شارع بليل وظليل،

قلت له بصوت يسمعه وحده:

آه يا صديقي! سيأتي يوم نتجمد فيه من البرد، في هذه المدينة

سيأتي يوم نجد فيه أنفسنا غرباء، في هذه المدينة

سيأتي يوم نخجل فيه حتىّ الموت، في هذه المدينة

ستری ذلك

 إنّي أری من بعيد شبح بَرْدٍ وبَرَدٍ قانٍ

يهبّ صوبَنا!

كانت المدينة تصرخ

كأنها قد نسيت الكلام

تعبّر عن فرحها بصُراخ

تبكي بقهقهة

تضحك بنأمة

وترقص على أنغام النّحر

وكانَ الشعرُ يَهتف كلّ يوم على أكتاف الحماسة

وبيده رايةُ قافيةٍ ما

كأنّه قد ‌أخطأ إيقاعه

واثق من غياب الرقابة على أقواله

من غياب التهديد لإيقاعه وموسيقاه

فيتفوه بكلّ ما يأتي على لسانه

وينظّم كل ما يمُّر بذهنه

ويصوغُ كلّ ما يخطُر بباله.

لما انتهت الثورة

ونزل المقاتلون من الجبال

أخذتُ بدلة من أحد الپيشمرگه القدامى،

حيث لم يعد بحاجة إليها

وتوجهت نحو الجبال

لا قاصداً القتال

بل لأتصالح من نفسي

حتّى لا يموتُ خيالي

حتّى لا تَضعَفُ ذاكرتي

حتّى أستطيع أن أتنفس

حتّى أعثرُ على ما كانَ يسقط منّي

رويداً رويداً.

لما انتهت الثورة

ونَزلَ المقاتلون من الجبال،

ازدحمت المدينة

بأمواج من الأصوات المختلفة

بأصوات غليظة وغاضبة أمام المايكروفونات والمكبّرات

أصبحت الحروف الصائتة في الشعر الموضة الرائجة

وغلَتْ أسعارها

حيث كانت تمتدّ حتّى حدود الصُراخ

وتُثير القُشَعْريرة لدى المستمعين.

كانت الطبيعة تغادرُ المدينة وهي طريّة بالندى

ومعها حقيبةُ أزهارها وأعشابِها الجبلية

وحدائقِها

وتعود في الليل إلى المدينة

بشَعرٍ مشعَّث ومليء بالقشّ.

ثمةَ قلبٍ ما، كان يأكله الصدأ بتؤدة

ولم يعرف أحد ما هو

ثمة وردة ما، كانت تذبل بتؤدة

ولم يعرف أحد لماذا

ثمة حنجرة ما، كانت تختنق بتؤدة

ولم يعرف أحد كيف!

اتجهتُ صوب الجبال

وحيداً في أكثر الأحايين

ونادراً مع مفرزة صغيرة

من الفراشات الذاوية

كنتُ أتجوّل

أتجوّل.. على مدى البصر… أتجوّل

أتجوّل.. حتّى يَبحّ صوتي… أتجوّل

أتجوّل… طالما الأذنان قادرتان على السَّماع… أتجول

أحياناً، كانت قدمي تزِلّ على جُرحٍ

ولما كنت أنحني حتّى أداويه

تصدر منه نأمة وأتيقن أنني مخطئ

إنها وردة

أحياناً، كانت قدمي تزلّ على حجر جميل

ولما كنت أنحني كي آخذه

تصدر منه خفقة وأتيقن أنني مخطئ

إنه قلبٌ

أحياناً، كانت سلحفاة تجذُب اهتمامي

ولما كنتُ أذهبُ اليها

حتى أُلقي عليها تحية

يَصدُرُ منها سُعال وأتيقن أنني مخطئ

إنّه دِرْع قديم

ولما كنت أرى مرآة ما واتوجه نحو لمعانها

حتّى أمشّطَ شعري أمامها

كانت تمسح جبينها بقطعة من الغيم

وأتيقن أنني مخطئ

إنّها قطعة من السماء

كنت أتجوّل وأسجّل أشياءً

مما أراه وأسمعه

ويرجف قلبي

وأكتبها بلغة كنت قد بدأت أتعلمها

في أيام پيشمرگة ما بعد الثورة.